الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
58
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يَوْمَ يُدَعُّونَ بدل من يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً وهو بدل اشتمال . والدعّ : الدفع العنيف ، وذلك إهانة لهم وغلظة عليهم ، أي يوم يساقون إلى نار جهنم سوقا بدفع ، وفيه تمثيل حالهم بأنهم خائفون متقهقرون فتدفعهم الملائكة الموكلون بإزجائهم إلى النار . وتأكيد يُدَعُّونَ ب دَعًّا لتوصل إلى إفادة تعظيمه بتنكيره . وجملة هذِهِ النَّارُ إلى آخرها مقول قول محذوف دل عليه السياق . والقول المحذوف يقدر بما هو حال من ضمير يُدَعُّونَ . وتقديره : يقال لهم ، أو مقولا لهم ، والقائل هم الملائكة الموكلون بإيصالهم إلى جهنم . والإشارة بكلمة هذِهِ الذي هو للمشار إليه القريب المؤنث تومئ إلى أنهم بلغوها وهم على شفاها ، والمقصود بالإشارة التوطئة لما سيرد بعدها من قوله : الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ إلى لا تُبْصِرُونَ . والموصول وصلته في قوله : الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ لتنبيه المخاطبين على فساد رأيهم إذ كذبوا بالحشر والعقاب فرأوا ذلك عيانا . وفرع على هذا التنبيه تنبيه آخر على ضلالهم في الدنيا بقوله : أَ فَسِحْرٌ هذا إذ كانوا حين يسمعون الإنذار يوم البعث والجزاء يقولون : هذا سحر ، وإذا عرض عليهم القرآن قالوا : قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ، فللمناسبة بين ما في صلة الموصول من معنى التوقيف على خطئهم وبين التهكّم عليهم بما كانوا يقولونه دخلت فاء التفريع وهو من جملة ما يقال لهم المحكي بالقول المقدر . و أَمْ منقطعة ، والاستفهام الذي تقتضيه أَمْ بعدها مستعمل في التوبيخ والتهكم . والتقدير : بل أأنتم لا تبصرون . ومعنى لا تُبْصِرُونَ : لا تبصرون المرئيات كما هي في الواقع فلعلكم تزعمون أنكم لا ترون نارا كما كنتم في الدنيا تقولون : بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [ فصلت : 5 ] أي فلا نراك ، وتقولون : إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا [ الحجر : 15 ] . وجيء بالمسند إليه مخبرا عنه بخبر فعلي منفي لإفادة تقوّي الحكم ، فلذلك لم يقل : أم لا تبصرون ، لأنه لا يفيد تقويا ، ولا : أم لا تبصرون أنتم ، لأن مجيء الضمير المنفصل